علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
291
ثمرات الأوراق
بعضهم : أصلح اللّه الأمير ! نحن أسراك ، وبنا جوع وعطش ، فلا تجمع علينا الجوع والعطش والقتل ؛ فأمر لهم بطعام وشراب ، فأكلوا وشربوا ، ومعن ينظر إليهم ؛ فلمّا فرغوا قال الرجل : أصلح اللّه الأمير ! كنا أسراك ونحن الآن أضيافك ، قال : قد عفوت عنكم ، فقال الرجل : أيها الأمير ، ما ندري أيّ يوم أشرف ؟ يوم ظفرك بنا ، أو يوم عفوك عنا ! . فأمر لهم بمال وكسوة . * * * معن بن زائدة ومستجير به وحكي أن المنصور أهدر دم رجل كان يسعى في فساد دولته مع الخوارج من أهل الكوفة ، وجعل لمن دلّ عليه وجاء به مائة ألف درهم . ثم إنه ظهر ببغداد ؛ فبينما هو يمشي مختفيا في بعض نواحيها إذ بصر به رجل من أهل الكوفة ، فعرفه ، فأخذ بمجامع ثيابه وقال : هذا بغية أمير المؤمنين . فبينما الرجل على تلك الحالة ، إذ سمع وقع حوافر الخيل ، فالتفت فإذا معن بن زائدة ، فقال : يا أبا الوليد ، أجرني أجارك اللّه ! فوقف وقال الرجل المتعلّق به : ما شأنك ؟ قال : بغية أمير المؤمنين الذي أهدر دمه ، وجعل لمن دلّ عليه وأتى به مائة ألف درهم ، فقال : دعه يا غلام ، انزل عن دابّتك واحمل الرجل عليها . فصاح الرّجل بالناس وقال : أيحال بيني وبين من طلبه أمير المؤمنين ؟ فقال له معن : اذهب إليه وأخبره أنه عندي ، فانطلق إلى باب المنصور فأخبره ، فأمر المنصور بإحضار معن . فلمّا أتى الرسول إلى معن دعا أهل بيته ومواليه وقال : أعزم عليكم ، لا يصل إلى هذا الرجل مكروه وفيكم عين تطرف ؛ ثم سار إلى المنصور فدخل عليه وسلّم عليه فلم يردّ عليه السلام ، وقال : يا معن : أتتجرأ عليّ ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ؛ قال : ونعم أيضا ! واشتدّ غضبه . فقال : يا أمير المؤمنين ، مضت أيام كثيرة قد عرفتم فيها حسن بلائي في خدمتكم ، فما رأيتموني أهلا أن يهرب إليّ رجل واحد استجار بي بين الناس وتوسّم أني عند أمير المؤمنين من بعض عبيده ؟ وكذلك أنا ، فمر بما شئتها أنا بين يديك . فأطرق المنصور ساعة ثم رفع رأسه وقد سكن ما به من الغضب وقال : قد أجرنا من أجرت يا معن ، قال : فإن رأى أمير المؤمنين أن يجمع بين الأجرين ، فيأمر له بصدقة فيكون قد أحياه وأغناه ، قال : قد أمرنا له بخمسين ألف درهم ، قال : يا أمير المؤمنين ، إن صلات الخلفاء على قدر خيانات الرعيّة ، وإنّ ذنب الرجل عظيم ، فأجزل له الصلة . قال : قد أمرنا له بمائة ألف درهم ؛ قال : فعجّلها يا أمير المؤمنين ،